عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
39
معارج التفكر ودقائق التدبر
ذكر ربّه والاستعاذة به جعل يوسوس له ، حريصا على إسقاطه في آبار المعاصي والمخالفات وارتكاب الآثام . إنّ هذ المتابعة من الشيطان الوسواس الخنّاس لا يقي ولا يحمي ولا يعيذ منها إلّا اللّه جلّ جلاله ، بوصفه ربّا خالقا حاضرا شاهدا ممدّا في كلّ الآنات المتتابعات . فالاستعاذة به مع ملاحظة هذا الوصف ، هو الأمر الّذي تقتضيه عبوديّة العبد لربّه ، نظرا إلى أنّ العبوديّة في مفهومها النّفسيّ . هي ردود أفعال النّفس السّويّة تجاه تصوّراتها لعناصر القاعدة الإيمانيّة . إنّ عبوديّة الإنسان لربّه في حالة تعرّضه باستمرار لوساوس الشّيطان الوسواس الخنّاس ، تقتضي منه أن يستعيذ بالرّبّ الّذي هو شاهد حاضر عليم ، متابع لعمليّات الخلق المتجدّدة دواما منه ، في كلّ خليّة وكلّ ذرّة من عبده ، وفي كلّ آناته المتتابعات . ( 2 ) ومن كان هو الرّبّ دوما ، كان هو المالك لعبده دواما ، وكان هو الملك الآمر المتصرّف فيه على ما يشاء دواما . وفي الاستعاذة باللّه جلّ جلاله بوصفه ملك النّاس ، معنى الاستنصار بصاحب الملك وصاحب الملك ، لحماية ووقاية وإعاذة من هو داخل في ملكه لأنّه خالقه وربّه دواما ، وداخل في ملكه وسلطانه ، إذ هو الملك وحده في الوجود كلّه ، فلا سلطان لأحد مع سلطانه ، وهو ملك النّاس الذي له حقّ الأمر والنّهي والتكليف والمحاسبة والجزاء ، ومن شأن رعيّة الملك أن تستنصر بملكها القويّ العزيز الغالب لأعدائها ، ونصره لها يكون بحمايتها ووقايتها وإعاذتها من شرّ كلّ ذي شرّ . واللّه جلّ جلاله ينصر عبده ، إذا كان صحيح الإيمان به ، وصادقا في عبوديته له ، ومعتصما به ، ومذعنا لملكه وسلطانه ، وحريصا على طاعته .